الأمير أسامة بن منقذ

48

لباب الآداب

زوال تلك العلة ترجع العداوة إلى ما كانت عليه ؛ كالماء الذي يطال إسخانه ، فإذا رفع عن النار عاد باردا . وقالوا : إن الأحقاد مخوفة حيث كانت ، وأشدّها ما كان في أنفس الملوك ؛ فإن الملوك يدينون بالانتقام ، ويرون الطّلب بالوتر مكرمة . فلا ينبغي للعاقل أن يغترّ بسكون الحقد ، فإنما مثله في القلب - ما لم يجد محرّكا - مثل الجمر المكنون ما لم يجد حطبا . ولا يزال الحقد يتطلّع إلى العلل كما تبتغي النار الحطب ؛ فإذا وجد علّة استعر استعار النار ، فلا يطفئه ماء ولا كلام ولا لين ولا رفق ولا خضوع ولا تضرّع ، ولا شيء دون الأنفس . وقد قيل : أحزم الملوك من لم يلتمس الأمر بالقتال ، وهو يجد إلى غير القتال سبيلا ، لأن النفقة في القتال من الأنفس ؛ وسائر الأشياء إنما النفقة فيها من الأموال والقول . وقالوا : أضعف حيل الحرب اللقاء . وصرعة اللين والمكر أشدّ استئصالا للعدوّ من صرعة المكابرة . والحازم إذا نابه الأمر العظيم المفظع « 1 » الذي يخاف منه الجائحة المخوفة على نفسه وقومه - : لم يجزع من شدّة يصبر عليها ، لما يرجو « 2 » من حميد عاقبتها ، ولم يجد لذلك مسّا ، ولم يشمخ بنفسه عن الخضوع لمن هو دونه ، حتى يبلغ حاجته ومقصوده ، وهو حامل لغبّ أمره ، لما كان من رأيه وحسن اصطباره . وقال الشاعر « 3 » : إذا المرء أولاك الهوان فأوله * هوانا ، وإن كانت قريبا أواصره « 4 »

--> ( 1 ) في الأصل « المفضع » بالضاد ، وهو خطأ . ( 2 ) رسم في الأصل « يرجوا » بألف بعد الواو . ( 3 ) نسبه أبو تمام في الحماسة لأوس بن حبناء . انظر التبريزي ( ج 2 ص 101 ) . ( 4 ) جمع « آصرة » وهي : ما عطفك على آخر من رحم أو قرابة أو صهر أو معروف .